الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
262
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
وهذه الآية من الآيات التي تطمئن الموحدين إلى رحمة الله ولطفه ، لأن في هذه الآية قد بين سبحانه إمكان العفو عن جميع المعاصي والذنوب غير الشرك ، فهي كما جاء في حديث عن أمير المؤمنين علي ( عليه السلام ) أرجى آيات القرآن الكريم إذ قال : " ما في القرآن آية أرجى عندي من هذه الآية " . وهذه الآية - كما قال ابن عباس " ثماني آيات نزلت في سورة النساء ، خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت وعد منها هذه الآية " ( 1 ) . لأن هناك كثيرين يرتكبون المعاصي العظيمة ثم يقنطون من رحمة الله وغفرانه إلى الأبد ، فيتسبب قنوطهم في أن يسيروا بقية عمرهم في طريق المعصية والخطأ بنفس القوة والإصرار ، ولكن الأمل في عفو الله وغفرانه خير وسيلة رادعة بالنسبة إلى هؤلاء ، وخير مانع من تماديهم في المعصية والطغيان ، وعلى هذا الأساس فإن هذه الآية تهدف - في الحقيقة - إلى مسألة تربوية . فإذا رأينا عصاة مجرمين ( كما يقول بعض المفسرين ، ويعلم ذلك من الروايات المذكورة في ذيل هذه الآية ) أمثال " وحشي " غلام هند وقاتل بطل الإسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يؤمن مع نزول هذه الآية ، وينتهي عن جرائمه وشقاوته ، فإن من الطبيعي أن يوجد ذلك مثل هذا الأمل لدي العصاة الآخرين ، فلا ييأسوا من رحمة الله وغفرانه ، ولا يتورطوا في المزيد من الذنوب والمعاصي . ويمكن أن يقال : إن هذه الآية من شأنها أن تشجع الناس في الوقت ذاته على الذنب وتغريهم بالمعصية ، لما فيها من الوعد بالعفو عن " جميع الذنوب ما عدا الشرك " . ولكن لا شك أن المراد من الوعد بالعفو والمغفرة ليس هو الوعد المطلق من
--> 1 - مجمع البيان ، ج 3 ، ص 57 .